| الإهداءات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
أسرارُ الصِّيام وحِكَمه لا تكاد تَنقضي، وفوائده وآثاره لا تُحصَى إلاَّ بكلفة، إلا أنَّ بعض الناس انهمَك في إبراز فوائد الصيام الصحيَّة والاجتماعيَّة، واستغرَق آخرون في آثار الصِّيام في تغيير السُّلوكيات والأخلاق، وغفلوا عمَّا هو أنفع وآكَد مِن أثر الصِّيام في تحقيق الإيمان باليوم الآخِر، فقلَّ الحديث عن التلازُم بين الصِّيام وبين مجافاة دارِ الغُرور والتعلُّق بيوم البَعْث والنُّشور، ولعلَّنا في هذه السُّطور نُبرِز آثارَ الصيام ولوازمها في تحقيقِ اليقين بالآخِرة، وتعلُّق القلب بدارِ البَقاء والخلود، والإقبال على الله - عزَّ وجلَّ - وقصْده.
وأستهلُّها بعباراتٍ مشرقة سطَّرها المفكِّر الكبير سيِّد قطب - رحمه الله تعالى - قائلاً: "لقدْ كان مِن الطبيعي أن يُفرض الصومُ على الأمَّة التي يُفرَض عليها الجهاد في سبيلِ الله؛ لتقريرِ منهجِه في الأرض، وللقوامة به على البشريَّة، فالصوم مجالُ الاستعلاء على ضروراتِ الجسَد كلها؛ إيثارًا لما عندَ الله من الرِّضا والمتاع. وذلك كله إلى جانبِ ما يُتكشَّف على مدار الزَّمان مِن آثارٍ نافعة للصوم في وظائف الأبدان، ومع أنَّني لا أميل إلى تعليقِ الفرائض - في العبادات بصِفة خاصَّة - بما يظهر للعين مِن فوائد حِسيَّة؛ إذ الحِكمة الأصيلة فيها هي إعدادُ هذا الكائن البشري لدوره في الأرْض، وتهيئته للكمال المقدَّر له في حياة الآخرة"[1]. ومِن المعلوم أنَّ غاية الصيام التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ*كَمَا* كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، والتقوى هي: "العمل بطاعةِ الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا؛ فيفعل ما أُمر به إيمانًا بالأمْر وتصديقًا بوعْده، ويترُك ما نُهي عنه إيمانًا بالنهي وخوفًا مِن وعيده"[2]. فيُلحَظ أنَّ التقوى (فعلاً وتركًا)لا تتحقَّق إلا بالإيمان بالآخِرة واليقين بوعدِ الله ووعيده، وهو الذي يَفتح بابَ الرَّجاء والخوف اللَّذَين إنْ خلا القلب منهما، خَرِب كلَّ الخراب[3]. وكما قال طلقُ بن حبيب - رحمه الله - لما سُئل عن التقوى: "أن تعملَ بطاعة الله على نورٍ مِن الله رجاءَ ثواب الله، وأن تترُك معاصي الله على نورٍ مِن الله خوفَ عقابِ الله"[4]، وفي حديث أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الصِّيام جُنَّة))[5]، وزاد سعيدُ بن منصور: ((جُنَّة مِن النار))، ولأحمد: ((جُنَّة وحِصن حصين مِن النَّار))[6]. قال ابنُ العربيُّ: "إنَّما كان الصومُ جُنَّة من النار؛ لأنَّه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفةٌ بالشهوات"[7]، فالحاصل أنَّه إذا كفَّ نفسه عن الشهوات في الدُّنيا كان ذلك ساترًا له مِن النار في الآخِرة[8]. وقرَّر ابن القيِّم أنَّ غاية الصيام هو تحقيقُ سعادة النفس ونعيمها وزَكاتها؛ لأجْل الحياة الدائِمة السرمديَّة، فقال - رحمه الله تعالى -: "لمَّا كان المقصودُ مِن الصيام حَبْسَ النفس عن الشهوات وفِطامها عن المألوفات؛ لتستعدَّ لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقَبول ما تَزْكُو به ممَّا فيه حياتها الأبديَّة، فالصوم لجامُ المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورِياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائر الأعمال؛ فإنَّ الصائم لا يفْعَل شيئًا، وإنما يترُك شهوتَه وطعامَه وشرابَه مِن أجْل معبوده، فهو ترْك محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثارًا لمحبَّة الله ومرضاته"[9]. والحاصل: أنَّ فِئامًا من الدُّعاة قد استحوذ عليهم الحديثُ عن المصالح الدُّنيويَّة والفوائِد العاجِلة للصيام والصلاة وسائرِ العبادات؛ فالصيام لأجلِ تهذيب الأخلاق، والصلاة لأجل راحةِ البال مِن هموم الدنيا، بل احتفَى بعضُهم بفوائد الصلاة في رياضة الأبدان وصحَّتها، وصيَّر الأذكارَ لأجلِ حظوظ الدنيا وحِفظ الأجسام! ولا نِزاع في أنَّ شرائع الإسلام وشعائره تُحقِّق مصالح الدنيا والآخرة؛ لكن الخَلل في الإطناب والاحتفاء بالحُظوظ الدُّنيويَّة العاجلة، وضعْف الالتِفات إلى التعلُّقِ بالله تعالى وقصْده، ورجاء ثواب الله تعالى وجَنَّته، ولذة النظر إلى وجهِه الكريم - سبحانه. وقدْ حذَّر ابنُ تيمية - رحمه الله تعالى - من مسلك الفلاسفة الذين أفْرَطوا في الجوانب الأخلاقيَّة، فجعلوا تهذيبَ الأخلاق غايةً ومقصدًا، وأمَّا عبادة الله وقصْده فهي وسيلةٌ لتهذيب الأخلاق[10]! وقال في موطنٍ آخر: "ليس المقصودُ بالدِّين الحق مجرَّدَ المصلحة الدنيويَّة كما يقوله طوائفُ من المتفلسفة في مقصودِ النبوَّات أنَّ المراد بها مجرَّد وضْع ما يحتاج إليه معاشهم في الدنيا مِن القانون العدْلي الذي ينتظم به معاشهم. فإذا لم يكُنْ مقصود الدِّين الموضوع إلاَّ جلْب المنفعة في الحياة الدنيا، ودفْع المضرَّة فيها، فليس لهؤلاء في الآخِرة مِن خَلاق، وهؤلاء المتفلسفة الصابئة المبتدِعة ومَن سلك سبيلَهم يجعلون الشرائعَ مِن هذا الجنس لوضْع قانون تتمُّ به مصلحةُ الحياة الدنيا؛ ولهذا لا يأمرون فيها بالتوحيد (وهو عِبادة الله وحْده)، ولا بالعمل للدار الآخرة، ولا ينهون فيها عنِ الشِّرْك، بل يأمرون فيها بالعدْل والصِّدق والوفاء بالعهد، ونحو ذلك مِن الأمور التي لا تتمُّ مصلحةُ الحياة الدُّنيا إلا بها"[11]. فتأمَّل - رعاك الله - هذا التحقيقَ المتين مِن هذا الإمام الربَّاني الكبير، وانظرْ ما عليه المتفلسفة الصابئة وقارِنْه بواقع بعضِ المنتسبين للإسلام والسُّنة، ممَّن دأبهم أن يُسْهِبوا في سرْد مصالِح وفوائد الشرائع في الحياة الدنيا؛ فلا يكادون يتحدَّثون عن مصالحها الأُخروية ومنافعها الأبديَّة مِن عبادة الله - تعالى - وقصْده، وابتغاء وجه الله والدار الآخِرة، فأضحتِ الشرائع والأخلاق لأجل تحقيقِ مصالح الدنيا، واكتفَوْا بالحديث عن الأخلاق التي لا تَصلُح الدُّنيا إلا بها: كالصِّدق والوفاء بالعهد... إلخ، وأقفرتْ أكثرُ المجالس مِن الحديث عن اليوم الآخِر، وصار الحديث عن الآخِرة حكرًا على بعضِ الوعَّاظ ممن قلَّ شأنهم وانتُقِص مقامُهم بالنظر إلى الدُّعاة المشاهير. والمقصود أنَّ التذكير بالآخِرة مِن واجبات الوقت وضرورات التربية الإيمانيَّة والتزكية السلفيَّة، ولا سيَّما أنَّ النفوس جُبِلت على حبِّ العاجلة والرُّكون إليها، كما قال ابنُ الجوزي - رحمه الله تعالى -: "جواذب الطبْع إلى الدنيا كثيرة، ثم هي مِن داخل، وذِكْر الآخِرة أمرٌ خارج عن الطبْع، ثم هو مِن خارج، وربما ظنَّ مَن لا عِلم له أنَّ جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع مِن الوعيد في القرآن، فإنَّه يطلب الهبوط وإنما رفْعُه إلى فوق يحتاج إلى التكلُّف، فالطبْع جواذبه كثيرة، وليس العجَب أن يَغلِب؛ وإنَّما العجب أن يُغلَب!"[12]. ............................ [1]*"في ظلال القرآن" (1/167)، باختصار. [2]*"الرسالة التبوكية" لابن القيم، (ص: 17). [3]*انظر: "تفسير السعدي": (1/29). [4]*أخرجه ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (2/5988)، (ت: نعسان). [5]*أخرجه البخاري (1894). [6]*انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/*- 10 [7]*انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/*- 10 [8]*انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/*- 10 [9]*زاد المعاد (2/27). [10]*ينظر: "الجواب الصحيح" (4/105). [11]*"جامع الرسائل (قاعدة في المحبة)" (2/131). [12]*"صيد الخاطر".
تم منع التواقيع في هذا القسم من قبل الأدارة
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() |
جزاك الله خير على روعة وفائدة طرحك*وبانتظار جديدك وفوائدك بشغف*وجعله الله بميزان حسناتك يوم الحساب
|
تم منع التواقيع في هذا القسم من قبل الأدارة
|
|
|
#3 |
![]() ![]() |
اسأل الله العظيم أن يرزقك الفردوس الأعلى من الجنان. وأن يثيبك البارئ خير الثواب . دمت برضى الرحمن |
تم منع التواقيع في هذا القسم من قبل الأدارة
|
|
|
#4 |
![]() ![]() |
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة انجاز رايع ومواضيع مميزة وابداع راقي سلمتي وسلمت الايادي التي شاركت وساهمت في هذا الطرح الجميل بارك الله فيك ولا تحرمينا من ابداعاتك وتميزك المتواصل واصلي في كل ماهو جديد ومفيد لديك فنحن بانتظار جديدك الرايع والجميل كوجودك المتواصل والجميل معنا |
تم منع التواقيع في هذا القسم من قبل الأدارة
|
|
|
#8 |
![]() ![]() |
الله يجزاك جنة عرضها السموات والارض
موضوع راق لي فديتك يعطيك العافية دلع |
تم منع التواقيع في هذا القسم من قبل الأدارة
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() |
الله يجزاش الجنة ونعيمها
ويكتب لش بكل حرف ملياااااااااااااااااااااار حسنة وزود ويعطيش الف مليااااااااااااااااار عافية وننتظر جديدش القادم لاخلى ولا عدم ابو واااااااااااافي |
تم منع التواقيع في هذا القسم من قبل الأدارة
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| الصيام, والآخرة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|